مفهوم الرؤية من خلال القرآن الكريم (الجزء2)

مفهوم الرؤية من خلال القرآن الكريم (الجزء2)

مفهوم الرؤية من خلال القرآن الكريم:(الرؤى المنامية)

بداية أذكركم أني تحدثت في الجزء الأول من (مفهوم الرؤية من خلال القرآن الكريم) إلى مفهوم الرؤية البصرية والرؤية الباطنية.

و سأواصل في هذا المقال، موضوع الرؤية من خلال القرآن الكريم و لكن في مايتعلق بالرؤية في المنام.

أعتقد أن الرؤية في المنام هي نافذة، يرسل الله من خلالها رسائل تبشير أو تحذير إلى الناس. كما يختبر فيها صبر الرسل، وعزمهم على تبليغ رسالته؟

ولذلك سأتناول مجموعة من الرؤى المنامية التي ذكرت في القرآن الكريم.

وهي على التوالي رؤية سيدنا إبراهيم عليه السلام ، ورؤية سيدنا يوسف عليه السلام، ورؤية ملك على عهد سيدنا يوسف، ثم حلم سجين معه.

رؤية سيدنا إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرآن الكريم

طلب سيدنا إبراهيم عليه السلام من الله عز وجل أن يهب له إبنا صالحا، فاستجاب له.

وعندما أصبح ذلك الإبن يافعا أراد الله أن يختبر مدى قدرتهما على طاعته و الإذعان لمشيئته.

لهذا اختار تعالى سيدنا إبراهيم وخصه برؤيا منامية، أوحي له فيها بأن يذبح إبنه. ورغم قسوة هذا الأمر الإلهي إلا أن الإبن الحليم الصالح إسماعيل عليه السلام استجاب لدعوة الله وأطاع والده.

مثل ما يتبين ذلك في قوله تعالى {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ. قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾[ الصافات: 102]

رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام

خص الله سيدنا يوسف وهو لا يزال طفلا برؤيا منامية عجيبة، سجدت له فيها الكواكب والشمس والقمر. وهذا ما تبينه الآية الكريمة في قوله تعالى﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾[ يوسف: 4].

نلاحظ في هذه الرؤيا وجود رموز (إحدى عشرة كوكب) وهي ترمز إلى عدد الإخوة. كذلك (الشمس) وهي ترمز إلى الأم وأيضا (القمر) الذي يرمز إلى الأب.

بالإضافة إلى ذلك، فسجود الكواكب والقمر والشمس لسيدنا يوسف عليه السلام هو رمز إلى الرفعة والمكانة التي سيحظى بها في المستقبل.

رؤيا ملك على عهد سيدنا يوسف عليه السلام

تتمثل رؤيا ملك على عهد سيدنا يوسف عليه السلام، في رئية سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات عجاف…وذلك مثل ما يتبين في قوله تعالى ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ، أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ، وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ. لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُون. قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ.ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ.ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}[يوسف47-49].

وكما نلاحظ فهذه الرؤيا مختلفة عن رؤيا سيدنا إبراهيم. حيث أن الله تعالى يختبر النبي ابراهيم عليه السلام اختبارا عسيرا جدا. وذلك من خلال الرؤيا المتعلقة بذبح ابنه اسماعيل عليه السلام. على عكس ذلك، أراد الله في رؤيا الملك أن يطلع عبد له بأمور غيبية، ستقع في السنوات القليلة المقبلة في بلاده وخلال حكمه. إذا تعد هذه الرؤية ارشاد من الله عز وجل وتنبيه لهذا الملك.

لهذا السبب، وبعد أن أول له سيدنا يوسف تلك الرؤيا فهم أنه يجب عليه أخذ قرارات. وهذه القرارات تتمثل في ادخار ما يكفي من الحبوب، حتى ينقذ شعبه من الهلاك المحقق إذا لحقتهم المجاعة.

هكذا ومن خلال الرآى المنامية، يطلع الله من يشاء من عباده على غيبه لكي يحذره أو يبشره ، وهذا رحمة منه سبحانه وتعالى.

مفهوم الرؤية في القرآن الكريم
الرؤية المنامية هي نافذة تطل على عوالم أخرى فسيحة.

رؤيا السجينان في قصة سيدنا يوسف عليه السلام

أولا، ذكرى لنا الله قصتيهما في كتابه العزيز في سورة يوسف حيث قال تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖۖ، قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا. ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي. إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ. ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.﴾[ يوسف: 36-38].

و قال أيضا: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم، مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ. إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ. وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ، ۚ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ. وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ، فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. سورة [ يوسف39-43].

أولا نلاحظ أن السجينان غير مؤمنين بالله عز وجل من خلال قوله (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما انزل الله بها من سلطان).

ثانيا، لما نسي السجين ذكر ربه لبث في السجن بضع سنين. وهكذا نستنتج أن ذكر الله هو السبيل الوحيد لكشف الضر والخروج من أي هم أو غم. كما يتأكد لنا أن مفهوم الرؤية في القرآن الكريم متعدد فهو بصر و بصيرة و إرشاد.

و في الختام، نلاحظ أن الله عز وجل من علينا بالعديد من النعم مثل البصر والبصيرة وعلمنا ما لم نعلم.

وأخيرا لا تنسوا ذكر الله و إلى اللقاء في مقال آخر إن شاء الله…

كتب من قبل:

admin

ألفة الهذيلي من مواليد سنة 1965 تونسية الجنسية متصرف مستشار للتعليم العالي بوزارة التعليم العالي بتونس. أم لثلاثة أبناء هوايتي الكتابة.

عرض كل المقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *