مفهوم “النظر” في القرآن الكريم:
مفهوم” النظر” في القرآن الكريم:
قبل كل شيء وردت في العديد من الآيات في القرآن الكريم كلمات مشتقة من فعل “نظر”، وغالبا ما تعني التأمل.
وذلك لأن أوامر الله المتعلقة بطلب النظر في الأشياء تكون إما طلبا للتأمل في مخلوقاته عز وجل، أو في آثار الأقوام السابقة لأخذ العبرة.
هذا يعني أن مفهوم ”النظر” في القرآن الكريم له معاني مختلفة، فقد يفيد التأمل لفهم حقيقة أو أمر ما أو حتى أخذ قرار معين.
لهذا أمر الله سبحانه وتعالى عباده في القرآن الكريم أن ينظروا إلى (السماء،الأرض،النبات، الطعام،الأنعام…).
مثل قوله تعالى﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ.وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ.وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ. فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾[ الغاشية: 17-22]
كما وردت تلك الأوامر الإلهية أما في صيغة المفرد مثل (انظر إلى، انظر كيف؟ انظر ماذا؟….) أو في صيغة الجمع مثل (انظروا إلى، انظروا كيف؟ انظروا ماذا؟…).

النظر من أجل تأمل ودراسة الكائنات
أمر الله الناس أن ينظروا إلى النبات الذي يختلف من حيث اللون والشكل والطعم رغم أن الماء الذي ينزل عليه هو نفس الماء.
قال الله تعالى ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ. فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ. انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. [ الأنعام: 99].
يحث الله الناس في هذه الآية على التفكير في خلقه من النباتات بقوله عز وجل (أنظروا إلى ثمره…).
و هذا في الواقع ما قام به علماء الطبيعة من خلال تحديد خصائص وخاصيات الكائنات الحية.
النظر فى القرآن بمعنى الثواب أو العقاب:
ففي يوم القيامة ينظر المؤمنون إلى ربهم وهذا يعد ثوابا لهم.
قال تعالى﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ(21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ(22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(23)﴾
[ القيامة:20-23].
بينما الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا، فإن الله يعاقبهم يوم القيامة فلا ينظر إليهم.
ويتبين ذلك من خلال قوله تعالى﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[ آل عمران: 77].
عاقبة الأقوام السابقة
في هذه الفقرة نتحدث على عاقبة المفسدين والضالمين والمكذبين من الأقوام السابقة والتي وردت في القرآن الكريم.
أولا: المكذبين
مما لا شك فيه كلما أرسل الله رسولا أو نبيا إلا كذبه بعض الناس من قومه.
فقد قال تعالى ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖۖ. فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚۚ. فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.[ النحل: 36].
ثانيا: المجرمين (قوم لوط):
ولما كان قوم لوط عليه السلام مجرمين لأنهم كانوا يمارسون الفاحشة أهلكهم الله وجعلهم عبرة.
قال تعالى {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ(80)إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ(81)وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(82) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ(83)وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(84)}[ الأعراف].
ثلاثا: المنذرين(قوم نوح):
كما أغرق الله قوم سيدنا نوح الذين كانوا يكذبون رسولهم والذي أنذرهم في عديد المرات ولكن دون جدوى.
وهذا في قول الله تعالى﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ. وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا. ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾[ يونس: 7]
رابعا: المفسدين (قوم سيدنا موسى)
أيضا كان فرعون مفسدا في الأرض و ظالما ، فعاقبه الله هو وملئه فأغرقهم في اليم.
فقال تعالى﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖۖ. فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[ الأعراف: 103].
كما قال أيضا ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ.وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا. فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾[النمل13-14].

من دون شك تمتع الناس في الأقوام السابقة بالقوة والتقدم الحضاري العريق إلا أنهم ظلموا.
ونتيجة لذلك عذبهم الله عز وجل قال تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚۚ، كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ. فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[ الروم: 9].
ونتيجة لذلك عاقبهم الله. قال تعالى{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚۚ، دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾[ محمد: 10].
وقال تعالى أيضا ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ، ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗۗ. وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يوسف(109).
وقال أيضا ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚۚ. كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ﴾[ الروم: 42].
النظر فى القرآن الذي يعني أخذ قرار معين:
في بعض الأحيان نطلب من شخص ما إبداء رأيه في موضوع معين، فنقول له (انظر ماذا ترى ؟).
و مثال على ذلك عندما رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام رؤية منامية،كأنه يذبح فيها إبنه إسماعيل عليه السلام، ومع أنه كان متأكدا أن هذه الرؤية هي أمر من الله إلا أنه طلب رأي إبنه عندماسأله قائلا: (فانظر ماذا ترى؟).
وبدون تردد امتثل الإبن البار إسماعيل عليه السلام لأمر الله من ناحية وأطاع والده من ناحية أخرى.
لذلك قال تعالى﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾[ الصافات: 102].
و بالمثل في قصة سيدنا سليمان وملكة سبأ أخذت كلمة “نظر” نفس المعنى أي ( أخذ قرار معين).
كما يتبين لنا في قول الله تعالى ( قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ.).
إن سيدنا سليمان عليه السلام، ينتظر رد ملكة سبأ وقرارها بعد أن عرض عليها رسالته، والتي يدعوها فيها وقومها إلى الإيمان بالله.
ونتيجة لذلك طلبت ملكة سبأ رأي قومها ولكنهم تركوا لها الإختيار قال تعالى: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)[ النمل:27-33].
إقامة الحجة والبرهان على قدرة الله عز وجل:
وفي الختام و علاوة على ما ذكرته من معاني، فإن كلمة “نظر” لها معنى آخر وهو إقامة الدليل على قدرة الله.
كما يتبين في قوله تعالى( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا. قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖۖ. فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ؟ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖۖ)
و بالتالي أقام الله عليه الحجة والبرهان في قوله تعالى (قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ، فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ. فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[ البقرة: 259].
وفي النهاية أتمنى أن أكون وفقت في تقديم بعض معاني النظر التي جاءت في القرآن الكريم، .
اترك تعليقاً